محمد أبو زهرة

1419

زهرة التفاسير

وانقسامهم ، أو إرادتهم عرض الدنيا ، أو عدم الصبر على طاعة القائد العظيم كما كان الشأن في أحد . وإن من سنن اللّه تعالى أن يجعل العاقبة للصابرين الصادقين ، فإن أملى للكافرين سنة فإنه سيأخذهم من بعد أخذ عزيز مقتدر ، وينصر عليهم أهل الحق ، وإنما قدر اللّه تعالى نصرتهم الوقتية على أهل الحق ليصقل أهل الإيمان ، وليهديهم هداية عملية إلى طريق الانتصار ، وليميز من بينهم ضعيف الإيمان ، ويظهر نفاق أهل النفاق ، وبذلك تتبين الصفوة المختارة التي يعتمد عليها ، ويذهب الذين مردوا على النفاق بنفاقهم ، فلا ينخدع بهم أحد ، ولا يرجفون بكيدهم في الجماعة ، ولقد بين سبحانه لأهل الإيمان عاقبة المكذبين تثبيتا لقلوبهم ، وتأييدا لهم فقال جل من قائل : فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ . أي أنه إذا كانت سنة اللّه تعالى في خلقه ، أو العاقبة دائما للمتقين ، فسيروا في الأرض ، فانظروا الحال التي قد انته بها الكاذبون . والتعبير بلفظ ( كيف ) الدال على الاستفهام يقصد به التصوير وتوضيح الحال في صورة تدعو إلى العجب وتثير الاستغراب ، أي أن عاقبتهم التي انتهوا إليها من تدمير ديارهم ، وتعفية آثارهم بعد أن طغوا وبغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد ، تثير العجب والدهشة لمن ضعف إيمانه ، وتلقى بالطمأنينة والصبر والرضا لمن قوى إيمانه . وفي هذه الآية وأمثالها من الآيات التي تدعو إلى السير في الأرض والبحث لمعرفة أحوال السابقين دعوة إلى أمرين : أحدهما - دراسة تاريخ الأمم بشكل عام ، فإن التاريخ كتاب العبر ، وسفر المعتبر ، وهو رباط الإنسانية التي يربط حاضرها بماضيها . والأمر الثاني - دراسة أحوال الأمم من آثارها فإنها أصدق من رواية الرواة وأخبار المخبرين ، فقد يكون التاريخ المكتوب أكاذيب ، أما الآثار فصادقة لمن يعرف كيف يستنطقها ، وإن الملوك وأشباههم يزيفون الأخبار المنقولة ، وإنه ليحكى أن